الائتلاف المغربي ضد عقوبة الإعدام
مذكرة إلى السيد رئيس الحكومة المغربية
الأستاذ عبد الإله بنكيران
السيد رئيس الحكومة
تحية طيبة وبعد،
يتوجه إليكم الإئتلاف المغربي ضد عقوبة الإعدام بكل منظماته، انطلاقا من وعيه الكامل بالمهمة الدستورية المنوطة بكم، وبالمسؤولية التي يضطلع بها حزبكم، والأحزاب الأخرى في حكومتكم، وذلك من أجل تبليغكم ما يشكل في نظر الإئتلاف في القريب من الآجال وبُعَــيْد انتهاء الانتخابات وتعيينكم رئيسا للحكومة ، احدى المقدمات الأساسية لبلورة مقتضيات دستور يوليوز 2011، والأمر هنا يتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام من التشريع الجنائي الوطني وذلك باتخاذ ما يقنضيه الموضوع من قرارات سياسية ومقتضيات تشريعية وتعديلات قانونية وما يتبع ذلك من إجراءات تطبيقية ذات الصلة.
نعـــــــــــــم،
أنتم من دون شك، تتابعون المسار التاريخي الطويل لمناهضة هذه العقوبة عبر العالم، وتستحضرون ما خاضته الفئات الواسعة من الحقوقيين والسياسيين والمفكرين والمثقفين بالمغرب، وما زالت تخوضه إلى اليوم، من مساعي حثيثة ونضالات متواصلة من أجل الحياة أقدس حق على الإطلاق، يفرض ضمان حمايته دون شرط ولا تأويل ولا استثناء من قبل الأفراد والجماعات وكل السلط وفي كل القوانين والتشريعات والمساطر، مصرة على دعوة الدولة المغربية إلغاء عقوبة الإعدام.
ولقد اشتدت مطالبهم وكبر حجمها، لما انطلقت حركة المناهضة العالمية لهذه العقوبة تستقطب الأنصار والمناصرين عبر العديد من دول المعمور، حيث وجدت في المغرب نشطاء حقوقيين وسياسيين وغيرهما انصهرت جهودهم لنصرة الحق في الحياة حيث نادوا بأعلى صوتهم المسموع " نعم للحق في الحياة، لا لعقوبة الإعدام ".
السيد رئيس الحكومة،
لستم في حاجة إلى أن نذكركم بما أنتم عالمون به، واعون بمقاصده، عارفون بمساراته، متيقنون بضروراته السياسية والقانونية والحقوقية والإخلاقية، من ضرورة التعامل مع مستجدات الدستور على مستوى المبادئ المعيارية والقواعد الحقوقية التي جاءت في مُحْكم فصوله، و في مقدمتها تفعيل البعض من توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، والإقرار بسمو الإتفاقيات التي صادق عليها المغرب وعُممت بنشرها بالجريدة الرسمية وباسبقيتها في التطبيق على القانون الوطني، وبالطبع التعامل مع مقتضيات المادة 20 من الدستور احتراما لوزنها وبُعـْدِ مقاصدها.
ولما أكد الدستور صراحة على أقدس الحقوق، أي الحق في الحياة، فإنه في نظرنا، قد نسخ نهائيا من مخيلة الجميع كل التأويلات المتأرجحة و القناعات الفردية، وأصبحت الدعوات المحافظة ذات العلاقات المتعاطفة مع الإعدام، والتي لا تجرؤ على الجهر من القول بأن الإعدام عقوبة متوحشة من الماضي الذي كانت فيه الحياة ألعوبة لا قداسة لها، والإعدام بالقانون أو خارج القانون في كنهه عقوبة وانتقام وبطش ليس إِلا، دون معنى لا تنفع معها مبررات.
وبالإقرار الدستوري كذلك بالحق في الحياة وبأولوية الإتفاقات الدولية المصادق عليها، يتحمل المغرب والقائمون على تدبير الشأن العام السياسي والحكومي قدرا وافرا ودقيقا من المسؤولية امام الرأي العام الدولي، لا يسمح لهم بعدم الإنضباط ودون تحفظ بما تنطق به اتفاقيات دولية في مجال الحقوق الأساسية وحقوق الإنسان، ولا يقبل لهم عذر آخر المطاف للإبقاء على الإعدام عقوبة وعدم إلغائها رسميا من كل القوانين.
السيد رئيس الحكومة،
إن الإئتلاف المغربي لإلغاء عقوبة الإعدام، لما يتوجه إليكم اليوم، وبعد أكثر من عقد على تأسيسه، فإنه مدرك أن غيرتكم على مصير المغرب، وعلى رفع مكانته إلى مصاف الدول الديمقراطية، وعلى سمعة الوطن وحقوق المواطنين، سوف تحدو بكم بالقناعة التامة عقلا وبصيرة، إلى أن تعلنوا جهرا من خلال برنامجكم الحكومي الذي ستعرضونه أمام البرلمان قريبا، الإنهاء مع عقوبة الإعدام توا، وذلك بالدعوة إلى ملاءمة التشريعات المغربية وبالخصوص مدونته الجنائية وتطهيرها من عقوبة الإعدام نهائيا.
ان مستقبل المغرب لن يزدهر دون الإلتزام بالنزاهة الفكرية والشجاعة السياسية في مجال إعمال القيم الإنسانية الكونية دون انتقائية أو خصوصية، و ترسيخ الديمقراطية واحترام قيم المواطنة وحقوق الإنسان، والاجتهاد الخلاق في تفعيل الدستور وقواعده، ومن دون حماية الحق في الحياة ووقف العمل بالإعدام نصا وتشريعا، أي من دون التطبيق الحقيقي للمقتضيات الدستورية بمعانيها العميقة والمطلقة.
وإنه لا نهضة قانونية ولا استقرارا حقوقيا، ولا أمنا قضائيا أو إنسانيا بالمغرب، مع وجود عدالة تقتل ولو باسم القانون، وقضاء لا يزن همجية ثقافة الموت بالإعدام، وتطبيق نصوص قانونية تتعارض ولا تتلاءم مع المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب والتي تؤكد على إلغاء عقوبة الإعدام احتراما للحق في الحياة.
السيد رئيس الحكومة
من هذه المنطلقات والقناعات، فإننا ننتظر منكم اليوم بمناسبة تحملكم المسؤولية الحكومية و مباشرة ملف الشأن العام ومصير المغرب في إطار دستور جديد بكل حمولاته، أن تتعاملوا بالوضوح الثقافي و السياسيى المعهود فيكم، وبالشفافية الفكرية اللائقة، وبالثقة الكاملة في ذكاء المواطن، ومع استحضار توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وأن تسعوا خصيصا :
- بجديتكم وحرصكم، إلى إعمال روح ومضامين وفلسفة الدستور الجديد بخصوص حماية الحق في الحياة، احتراما لإرادة من زكوا نصه وفصوله وصوتوا عليه.
- إلى تعهدكم تعهد حكومتكم إلغاء عقوبة الإعدام من التشريع الجنائي المغربي ، من خلال برنامج حكومتكم الذي ستتقدمون به امام البرلمان قريبا.
- إلى تقديم مشاريع القوانين أو مقترحاتها لإلغاء هذه العقوبة، أمام البرلمان المقبل.
- إلى تصديق حكومتكم على البروتوكول الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلق بإلفاء عقوبة الإعدام.
- إلى التصديق على اتفاقية روما للمحكمة الجنائية الدولية
- إلى المطالبة بتحويل عقوبة الإعدام للمحكومين بها نهائيا إلى عقوبة بديلة.
- إلى العمل سياسيا ودبلوماسيا في إطار المنظمات الأممية ومع الدول التي ألغت هذه العقوبة، لتعزيز المجهودات الدولية والأممية الهادفة إلى الالغاء النهائي لها، وإلى وقف تنفيذها في أفق الألغاء.
- إلى التخطيط سياسيا وإعلاميا ومنهجيا لنشر ثقافة حماية الحق في الحياة، في المجال التعليمي والتربوي بكل مستوياته و وسط الشباب.
- إلى رفع المعاناة والمظالم على السجناء المحكومين بالإعدام، و القابعين بممرات الموت بالسجون، والحرص على ضمان الحقوق التي تضمنها لهم مدونة مبادئ الأمم المتحدة الخاصة بمعاملة السجناء المحكوم عليهم بالإعدام والقانون المنظم للمؤسسات السجنية بالمغرب.
- إلى إعطاء تعليماتكم للمندوب العام للسجون، لإحترام القانون باحترام دور المنظمات غير الحكومية في زيارة السجون والإطلاع على ظروف تنفيذ العقوبة وأوضاع المعتقلين.
نرجو، السيد رئيس الحكومة، أن تتقبلوا منا كل التقدير والإعتبار، متمنين لكم كامل التوفيق.
الرباط في 5 يناير 2012
النقيب عبد الرحيم الجامعي
عن الإئتلاف
حرر بالرباط بتاريخ 5 يناير 2012

التعليقات