كلمة عبد الحميد أمين رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في اليوم الدراسي حول موضوع:" التجاوز الإيجابي للانتهاكات الماضي و الدور الذي تقوم به الهيئة"
المنظم بمقر مجلس النواب يوم 28 شتنبر 2004.
1. إن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان قد أولت منذ نشأتها في يونيه 1979 و مازالت، 25 سنة بعد تأسيسها تولي أهمية كبرى لملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتبطة بالقمع السياسي. و يبرز اهتمامنا الحالي من خلال الشعار المركزي لمؤتمرنا الوطني السابع المنعقد في أبريل الماضي تحت شعار: "من أجل دستور ديموقراطي في خدمة حقوق الإنسان و مغرب بدون انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان" و هو الشعار الذي يؤكد مدى اهتمامنا بمسألتين مرتبطتين في نظرنا: المسألة الدستورية و ملف الانتهاكات الجسيمة سواء منها المرتبطة بالقمع السياسي أو بالجرائم الاقتصادية.
2. إن الانتهاكات الجسيمة المرتبطة بالقمع السياسي تتمثل أساسا في الاختفاء القسري ، في الاعتقال السياسي، في التعذيب، في النفي التنعسفي خارج الوطن، في القتل الجماعي أثناء الهزات الاجتماعية الكبرى، في الإعدام خارج نطاق القانون و في المحاكمات غير العادلة.
3. و نلاحظ هنا أن هيئة الإنصاف والمصالحة ومن خلال النص التأسيسي الذي حدد مهامها معنية فقط بنوعين أساسين من الانتهاكات هي الاختفاء القسري و الاعتقال التعسفي.
4. إن إضفاء المصداقية على مسلسل تسوية الانتهاكات الجسيمة التي عرفتها البلاد أثناء سنوات الرصاص يتطلب ليس فقط معالجة هذه الانتهاكات على الأسس السليمة المتعارف عليها عالميا و إنما كذلك جعل حد في الواقع اليومي للإعتقال التعسفي و التعذيب والمحاكمات غير العادلة و الأحكام القاسية و الجائرة و لكل الخروقات التي تمس في العمق بمقومات دولة الحق و القانون. والحال أن بلادنا مازالت تعرف مثل هذه الانتهاكات و على نطاق واسع خاصة منذ بروز ظاهرة الإرهاب الأصولي و لجوء الدولة إلى محاربته بالاقتصار على الأساليب الأمنية و القضائية.
5. لقد عالجت الجمعية ملف الانتهاكات الجسيمة المرتبطة بالقمع السياسي على 3 مستويات:
المستوى الأول، تجسد في النضال من أجل عدم الإفلات من العقاب و في المطالبة بالمساءلة و بالمتابعة القضائية للمسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة. و قد وصل الأمر إلى حد وضع لوائح جزئية للمتورطين أو المشتبه في تورطهم في هذه الانتهاكات و مراسلة وزير العدل للمطالبة بمتابعتهم و مراسلة البرلمان بغرفتيه للمطالبة بالتقصي في الموضوع وفقا للفصل 42 من الدستور. و الجميع يعرف كيف واجهت السلطات هذا الطرح الحقوقي السليم و الوقفات الجماعية السلمية الهادفة إلى دعمه: العنف و الاعتقال و المتابعة و المحاكمة لـ 36 من أعضاء الجمعية و المنتدى والناشطين الحقوقيين الآخرين.
المستوى الثاني، تجسد في تنظيم المناظرة الوطنية حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في نونبر 2001 مع حلفائنا في المنظمة المغربية لحقوق الإنسان و المنتدى المغربي للحقيقة و الإنصاف. و قد تم تشكيل لجنة لمتابعة توصيات المناظرة التي جاءت كالتالي:
الكشف عن مصير المختطفين و إطلاق سراح من بقي منهم على قيد الحياة و تسليم رفاة المتوفين منهم و كذا شهادات الوفاة للعائلات.
الكشف عن الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتبطة بالقمع السياسي للعقود الأخيرة منذ الاستقلال مما يستوجب تشكيل هيئة وطنية مستقلة للحقيقة.
اعتراف الدولة رسميا بمسؤولياتها عن الانتهاكات الجسيمة مع تقديم اعتذار رسمي بشأنها.
رد الاعتبار للضحايا بما في ذلك جبر الضرر و التعويض المادي و المعنوي العادل.
رد الاعتبار للمجتمع و حفظ الذاكرة بدءا بالتحفظ على أماكن الاعتقال السري.
القيام بالإصلاحات الدستورية و القانونية و المؤسساتية للحيلولة دون تكرار الانتهاكات الجسيمة، و تجدر الإشارة إلى أن توصيات المناظرة منسجمة إلى حد كبير مع موقف الجمعية بشأن عدم الإفلات من العقاب و بشأن ضرورة المساءلة إذ يمكن اختزال موقف المناظرة في "الحقيقة المفتوحة على المساءلة".
المستوى الثالث: المواكبة النقدية و الاقتراحية لأشغال هيأة الإنصاف و المصالحة من طرف الجمعية في إطار العمل المشترك داخل لجنة المتابعة.
إن موقف المواكبة النقدية و الاقتراحية التي تبنته الجمعية مع حلفائها في لجنة المتابعة نابع من تقييمها لهيئة الإنصاف و المصالحة التي شكل تأسيسها جوابا ناقصا و مبتورا على توصيات المناظرة الوطنية حول الانتهاكات الجسيمة و هو ما تجسد في الظرفية الحقوقية غير السليمة التي واكبت التأسيس، في تضييق مجال معالجتها للإنتهاكات الجسيمة، في الموقف العدواني ضد مفهوم المساءلة، في غياب الإرادة للكشف عن الحقيقة كاملة (بما يقتضيه ذلك من تحديد المسؤوليات الفردية عن الانتهاكات)، في غياب الالتزام بتسليم الرفاة و الحديث فقط عن تحديد المقابر، في معالجة مسألة التعويضات على نفس الأسس التي تبنتها لجنة التحكيم المستقلة، في ضعف السلطة لدى هيئة الإنصاف من أجل الوصول لكل الحقائق مهما كان مصيرها.
أما الجوانب الإيجابية في تشكيل الهيئة فتكمن أساسا في إعادة فتح ملف الاختفاء القسري و الاعتقال التعسفي و في معالجة الانتهاكات على اساس جبر الضرر و ليس فقط التعويض المالي... و هو ما سيمكن من الحصول على مكتسبات و إن كانت جزئية بالنسبة للضحايا و ذويهم و للملف ككل.
2. من خلال المستويات الثلاثة التي اختارت الجمعية أن تعالج في إطارها ملف الانتهاكات الجسيمة يتضح أن أساس المعالجة يرتكز على أساس الرباعية: المساءلة – الحقيقة – الإنصاف – و المصالحة التي تبرز أن الجمعية تتشبت بالإنصاف و المصالحة هي الأخرى لكن على اساس المساءلة و الحقيقة و ليس على حساب المساءلة كمصدر أساسي للحقيقة و الإنصاف أو بالتعتيم على الحقيقة.
3. إن الحقيقة بالنسبة إلينا في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تتضمن معرفة المسؤوليات العامة و الفردية في مجال الانتهاكات و لا يمكن حصرها في العموميات و في الحديث الفلسفي حول نسبية الحقيقة. إن الحقيقة في مجال الانتهاكات الجسيمة هي شيء ملموس و إن ما ينتظره الضحايا أو ذويهم و كل الغيورين على حقوق الإنسن هو:
أولا: الكشف عن مصير كافة المختطفين: إن كانوا أحياء فليتم إرجاعهم لذويهم و إن كانوا أمواتا فلترجع لهم رفاتهم.
ثانيا: معرفة ماذا وقع: أين كان المختطفون و لماذا اختطفوا و ما هي المسؤوليات بشأن اختطافهم و أسئلة أخرى من شأن الجواب عنها أن يساعد على الإنصاف ثم على المصالحة
إن السؤال المطروح هو كيف يمكن الوصول إلى الحقيقة؟
طبعا هناك شهادات الضحايا و عائلاتهم و أصدقائهم.
هناك شهادات المسؤولين عن الانتهاكات أنفسهم. إلا أن هيئة الإنصاف و المصالحة قد استبعدت إمكانية هذه الشهادات خصوصا بعد إعلان عن عدم الغوص في الكشف عن المسؤوليات الفردية.
هناك الأرشيف الرسمي لأجهزة الدولة. و السؤال المطروح هو هل كان كل شيء يدون فيها؟ و هل هذا الأرشيف مازال على حاله؟ ثم هل يمكن فعلا الإطلاع عليها من طرف أعضاء الهيئة؟.
هناك مسألة مهمة باالنسبة للبحث عن الحقيقة و تحفيز الرأي العام على بلوغها و هي المتعلقة بجلسات الاستماع العمومي التي يتم بثها مباشرة على مستوى التلفزة العمومية. إن الوفاء بالتزام هيئة الإنصاف و المصالحة في هذا المجال لمن شأنه أن يغير مجرى الأحداث و يعطي لملف الانتهاكات الجسيمة بعدا جديدا و كذا المصداقية التي ظلت ناقصة لحد الآن.
4. إن الإنصاف يتطلب جبر الضرر على المستوى الفردي و الجماعي و يتطلب توفير الشروط لتمكين الضحايا (و ذويهم كذلك) من الحياة الكريمة. فماذا أعدت هيئة الإنصاف و المصالحة في هذا المجال؟
5. إن المصالحة هي أولا و قبل كل شيء مصالحة عموم المواطنات و المواطنين مع الدولة و جعلها في خدمتهم بدل أن تظل جهازا جهازا غريبا عنهم و مسخرا لقهرهم و قمعهم و انتهاك حقوقهم.
و هذا ما يتطلب طبعا إقرار ديموقراطية حقيقية بالبلاد و تشييد دولة الحق و القانون بسن قوانين جديدة (مثل قانون تجريم التعذيب) و إلغاء قوانين أخرى (مثل قانون مكافحة الإرهاب) و تعديل مجمل القوانين لتنسجم مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، و حل الأجهزة الأمنية التي لعبت دورا إجراميا بممارستها المنهجية اللانتهاكات.
إلا أن الحجر الأساسي لبناء دولة الحق و القانون يبقى في رأينا كجمعية مغربية لحقوق الإنسان هو إقرار دستور ديموقراطي في خدمة حقوق الإنسان. و نعتقد أن الدستور الديموقراطي المنشود يجب أن يقر بالشعب كمصدر لكل السلط و بحكومة مسؤولة أمام البرلمان تتوفر على كافة السلطات التنفيذية و إن يقر في مختلف بنوده بقيم و مبادئ و معايير حقوق الإنسان الأساسية و إن يمكن من المساواة التامة بين النساء و الرجال و أن يقر بفصل السلط التشريعية و التنفيذية و القضائية و بفصل الدين عن الدولة.
و قد تدركون الآن لماذا نحن في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان جمعنا في الشعار المركزي لمؤتمرنا الأخير بين إقرار الدستور الديموقراطي و التخلص من الانتهاكات الجسيمة، و ذلك أن دستور ديموقراطي يشكل إحدى الضمانات الأساسية لعدم تكرار ما جرى و لأن المعالجة السليمة و الحقة لملف الانتهاكات الجسيمة التي عرفتها البلاد يجب أن تتوج بتوصية واضحة حول إقرار دستور ديموقراطي
6. كلمة أخيرة، إننا في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إذ نذكر بالإهانة التي شعرنا بها كحركة حقوقية بعد نعت رئيس هيئة الإنصاف و المصالحة للمنظمات الحقوقية بالمافيات الصغيرة، لازلنا ننتظر السلوك الديموقراطي الوحيد الممكن في مثل هذه الحالات: النقد الذاتي الصريح أو التفسير المقنع.
و شكرا مجددا للهيئتين المنظمتين على الدعوة – و السلام عليكم