بيان بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على الفقر
تحت شعار " جميعا ضد الفساد للقضاء على الفقر وضمان العيش الكريم"
تحيي الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إلى جانب كل أحرار العالم، اليوم الدولي للقضاء على الفقر الذي يصادف 17 اكتوبر من كل سنة، الذي قررته الجمعية العامة للأمم المتحدة في الأول من دجنبر 1992. وقد اختار له المكتب المركزي كشعار " جميعا ضد الفساد للقضاء على الفقر وضمان العيش الكريم"؛ لما لظاهرة الفساد وسوء التدبير من انعكاس وخيم على حقوق المواطنين والمواطنات، وحرمان لهم من نصيبهم في الثروة والعيش الكريم.
وتتزامن ذكرى هذه السنة مع سياق دولي متسم باستمرار جائحة كورونا، صاحبتها المزيد من التراجعات الناتجة عن العولمة اللبرالية المتوحشة وانتهاك الدول الإمبريالية لحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، حيث لا زالت شعوب العالم تعاني من انعكاسات الأزمة الاقتصادية، ومن التراجعات على العديد من المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية لفئات واسعة من المواطنين والمواطنات، بسبب لجوء الحكومات إلى تحميل الفئات الهشة نتائج الأزمة التي مست الشركات الكبرى والأبناك.
و رغم ما يتم تسطيره من برامج و ما يتم التخطيط له في أروقة الأمم المتحدة للقضاء على الفقر، حيث جعلته يتصدر أهداف التنمية المستدامة التي اعتمدتها جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة سنة 2015، وجعلت منها "دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب و ضمان تمتع جميع الناس بالسلام و الازدهار بحلول سنة 2030"، فان جميع المؤشرات، عكس ما تم الاتفاق حوله، تدل على تفاقم الوضع و تقهقره بسبب جشع الأنظمة النيولبرالية التي لا يهمها إلا الهيمنة على ثروات الشعوب و تحقيق المزيد من تراكم الأرباح على حساب كرامة الإنسان.
وتشير إحصائيات البنك الدولي الصادرة سنة 2020 إلى أن الوباء كوفيد 19، الذي اجتاح العالم بأسره، رمى ما بين 88 و115 مليون إنسان بين براثين الفقر، ومن المرتقب أن يرتفع هذا الرقم إلى ما بين 143 و163 مليون شخص في غضون سنة 2021، لينضموا إلى 1،3 مليار نسمة تعيش حالة الفقر المتعدد الأبعاد، أغلبها في جنوب أسيا وفي افريقيا.
وقد تميز الوضع في المغرب بتبني سياسات عمومية تسير في الاتجاه المعاكس. فعوض البحث عن حلول للأزمة المتفاقمة والحد من الفوارق الاجتماعية والرفع من دخل الفقراء ومن مستوى عيشهم والتخفيف من أضرار ونتائج الفقر على صحة الإنسان وكرامته، لجأت الدولة والباطرونا إلى خيارات اقتصادية واجتماعية زادت للفقراء فقرا وللأغنياء ثراء، وجعلت من رفع أثمان كل المواد الاستهلاكية، وفي كل المجالات والقطاعات، وتعميم ظاهرة طرد العمال والعاملات وحرمانهم من أبسط الحقوق ومنها الحقوق النقابية، وقمع الاحتجاجات السلمية، محاور أساسية، بالبنط العريض، للبرامج والخطط. وهذا ما تطهره بوضوح الإحصائيات الرسمية المصرح بها.
فحسب دراسة للمرصد الوطني للتنمية البشرية التابع لرئاسة الحكومة حول دينامية الفقر في المغرب فإن المعطيات تشير إلى أن حوالي 45% من المغاربة يعتبرون في 2019 “فقراء ذاتيا” (38,6% في الوسط الحضري و58,4% في الوسط القروي. ووفقًا لتقرير للمندوبية السامية للتخطيط ومنظمة الأمم المتحدة والبنك
الدولي، فان نسبة الفقر بالمغرب انتقلت من 17،1 في المئة سنة 2019 إلى 19،87 سنة 2020. كما أظهرت بعض الإحصائيات الصادرة من نفس الأجهزة في مايو 2020 أن ثلث الأسر المغربية لا تملك أي مصدر للدخل بسبب توقف أنشطتها أثناء الحجر الصحي، وأن تفشي جائحة كوفيد 19 ستدفع ب مليون و58 ألف شخص نحو دائرة الفقر.
أمام هذا الوضع المترهل والسياسة الاجتماعية التي نهجتها الدولة، لعقود من الزمن، ما كان لها أن تؤدي سوى إلى مزيد من توسيع الفوارق الاجتماعية والمجالية، فإن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان:
·تستنكر الإجراءات الحكومية اللاشعبية في ارتفاع المهول للمواد الغذائية الأساسية المعتمدة التي تقررت بتزامن مع عيد الأضحى وتفاقمت مباشرة قبل انتخابات 08 اكتوبر 2021 ومع الدخول المدرسي، مما تسبب في وإنهاك القدرة الشرائية لأغلب الأسرة المغربية،
·تعبر عن قلقها من اتساع ظاهرة التسول وازدياد أعدادها بشكل مخيف، كنتيجة لتفاقم الفساد المالي والإداري واستمرار سياسة الإفلات من العقاب في الانتهاكات التي تطال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وللسياسة الاقتصادية السائدة المبنية على الريع، وعلى خدمات المديونية الخارجية،
·تؤكد على ضرورة وقوفها المبدئي إلى جانب ضحايا الفقر والقهر الاجتماعي، الذين تضاعفت أعدادهم بفعل جائحة "كوفيد-19،" وعزمها على مواصلة النضال، إلى جانب كافة القوى الحية والديمقراطية، ضد جميع السياسات والاختيارات الرأسمالية الليبرالية المتوحشة، وخاصة من داخل الجبهة الاجتماعية،
·تؤكد على أن القضاء على الفقر المدقع واستئصال أسبابه ومسبباته، مرتبط بالقضاء على الفساد ورهين بإقامة نظام ديمقراطي، يحترم إرادة الشعب المغربي، ويضمن حقه في تقرير مصيره السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والبيئي، ويوفر شروط التنمية المستدامة؛
·تطالب بسن سياسات اقتصادية واجتماعية قادرة على محاربة الفقر، وتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير العيش الكريم للجميع؛ مع ما يستلزمه هذا من تعزيز وتجويد للمرافق العمومية والخدمات الاجتماعية وفي مقدمتها قطاعي الصحة والتعليم، وحماية من البطالة ومن فقدان الشغل، وتعميم للحماية الاجتماعية، واحترام الحريات النقابية، وضمان المساواة بين الجنسين، ورفع للقدرة الشرائية، وزيادة في الأجور والمعاشات، وتخفيض للضرائب، وإلغائها بالنسبة للمداخيل الصغرى والمتوسطة وبالنسبة للمعاشات؛
·تطالب بضرورة إعمال مبدأ عدم الإفلات من العقاب بخصوص الجرائم الاقتصادية، التي شكلت، وما زالت، إحدى الأسباب الأساسية لحرمان المواطنين والمواطنات من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،
·وتطالب بإطلاق سراح كافة معتقلي حرية الرأي والتعبير ومعتقلي الحركات الاجتماعية، وعلى رأسهم معتقلي حراك الريف، والاستجابة لمطالبهم العادلة والمشروعة، والتي يقع على عاتق الدولة توفيرها وحمايتها؛
·تطالب الدولة المغربية بالتقيد بالتزاماتها الأممية في مجال حقوق الإنسان، كحقوق مترابطة ومتلازمة، والانخراط الجاد في المجهودات الأممية، الرامية إلى استئصال الفقر، وجعل حد للإقصاء والاستبعاد الاجتماعي.
وأخيرا فإن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إذ تتوقف عند مسألة تراجع الدستور المغربي عن المكاسب السابقة في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، من خلال الالتفاف على مسؤولية الدولة في توفير تلك الحقوق والاكتفاء بالتزام واجب تيسير الحصول عليها فقط، فإنها تؤكد استمرارها في النضال من أجل دستور ديمقراطي بلورة ومضمونا وتصديقا، يضع حدا للاستبداد ويقر بالسيادة للشعب وينبني على المعايير الكونية لحقوق الإنسان، ويضمن المساواة والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
المكتب المركزي الرباط، في17 أكتوبر2021