♦ يخلد المنتظم الأممي اليوم الدولي لمحاربة الفساد في 90 دجنبر من كل سنة، وهو اليوم الذي يصادف صدور اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي كان المغرب من أوائل الدول التي وقعت عليها. غير أن هذا التوقيع لم يمنع البلاد من البقاء في مراتب متأخرة ضمن الدول التي تعرف فسادًا متفشيًا، حيث احتل المغرب المرتبة 99 سنة 2024 من أصل 180 دولة شملها مؤشر الفساد، وأصبح الفساد السمة المهيمنة على مختلف مناحي الدولة.
♦ وتواصل الأمم المتحدة حملتها، عام 2025، بتسليط الضوء على دور الشباب في محاربة الفساد باعتبارهم مدافعين يسهمون في رفع الوعي حول الفساد وآثاره على مجتمعاتهم، لما لهم من أدوار محورية في إبراز الروابط بين الجريمة المنظمة والفساد، والدور المتنامي للذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، وكذلك العلاقة العميقة بين الفساد والسلام والأمن، بما يرسخ قناعة بأن مكافحة الفساد شرط أساسي لبناء مستقبل عادل وآمن.
♦ كما نخلّد نحن هذا اليوم في سياق وطني مطبوع بحملة اعتقالات واسعة طالت شباب جيل "زد"، وهم الفئة التي يعول عليها في التجديد والتغيير، بدل التضييق عليها وتجريم أصواتها. فقد خرج هؤلاء الشباب للاحتجاج ضد الفساد وتردي الخدمات الأساسية، والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن اختلالات التسيير ونهب المال العام، تعبيرا عن وعي متقدم بحقوقهم ورغبتهم في عدالة اجتماعية حقيقية. غير أن هذه المطالب المشروعة ووجهت بالقمع والمتابعات، وبمحاكمات تفتقر لأبسط شروط المحاكمة العادلة. وهو ما يتناقض جذريا مع روح حملة الأمم المتحدة، ومع حق الشباب في التعبير عن آرائهم والمساهمة في بناء مجتمع نزيه وعادل.
♦ وعلى صعيد الفساد السياسي والمدني، تستمر الدولة في ممارسة الاعتقال السياسي، وقمع حرية الرأي والتعبير، ومنع الحق في التظاهر السلمي، والتضييق على حرية الصحافة، والتجسس على المدافعين عن حقوق الإنسان وكل من يخالف سياساتها وبرامجها. وتُعد انتهاكات الخصوصيات الشخصية لمعارضيها، واستغلال وسائل الإعلام للنيل من سمعتهم، وفضيحة "بيغاسوس" المتعلقة بالتنصت على الهواتف، دلائل دامغة على أن الأجهزة الأمنية تتصرف فوق القانون وخارج نطاق التشريعات الوطنية والدولية، متجاوزة كل الأعراف الدبلوماسية. وقد ترسخ هذا النوع من الفساد على مدى عقدين من الزمن، في علاقة وثيقة بين السياسة والمال.
♦ هذا مع الاستحضار المستمر لتدخل الدولة الفج، لعقود من الزمن، وتحكمها في صناعة وضبط الخرائط السياسية والحزبية والإعلامية والمدنية، ودعمها من المال العام وتوظيفها، ضد كل حركة أو دينامية مجتمعية تطمح وتناضل من أجل الديموقراطية وحقوق الإنسان، مع ما يرافقها من استشراء للفساد في مختلف العمليات الانتخابية، الذي تتحدث عنه تقارير وبيانات حتى المشاركين والمتورطين فيها؛ بدءا من إفراغها من مضمونها الديموقراطي المتعارف عليه دوليا، ومرورا بقمع الآراء المعارضة بل وتجريم التشكيك فيها، ووصولا إلى الاحتكار والتدخل السافر في تفاصيل ونتائج العمليات الانتخابية (تقسيم الدوائر، اللوائح التزكيات، شراء الأصوات...).
♦ أما على الصعيد المالي والاقتصادي، فتتكرر الفضائح التي تفضح الفساد للرأي العام الوطني والدولي عبر مصادر متعددة، بدءا من الصحافة الاستقصائية التي كشفت ملفات ك"فضيحة بنما" سنة 2016 وقضايا تفويت الأراضي بطرق مشبوهة سنة 2023، مرورا بتقارير المجلس الأعلى للحسابات التي تبرز اختلالات تدبير الشأن العام، وصولا إلى تصريحات لجان تقصي الحقائق وهيئات الدولة نفسها، وعلى رأسها قضية المحروقات التي أرهقت المواطنين ب 17 مليار درهم وشهدت تراشقا بالاتهامات بين المسؤولين انتهى بتقاسمهم للحكم. كما يسلط المجتمع المدني والهيئات السياسية والنقابية الضوء على ملفات أخرى مثل تبادل الشيكات بين المسؤولين، وصفقات الأدوية وتحلية المياه المشبوهة، وصفقات كورونا التي شابتها شبهات تضارب المصالح وأساليب غامضة في التدبير؛ فضلا عن فضائح تذاكر كأس العالم، وما تتداوله وسائل الإعلام الدولية حول ملفات ك "قطركات" المتهم فيها المغرب بتقديم رشاوى لبرلمانيين أوروبيين.
♦ إن استشراء الفساد في مختلف مؤسسات الدولة لا يمثل مجرد اختلال إداري أو مالي، بل يشكل انتهاكا صارخا للحقوق الأساسية للمواطنات والمواطنين، بما في ذلك الحق في العيش الكريم، والحق في العدالة، والمساواة أمام القانون، والحق في التمتع بالخدمات العمومية الأساسية. فالفساد يقوض أسس العدالة الاجتماعية ويعيق التنمية الاقتصادية ويزيد من الفقر والهشاشة، ويحول دون وصول الموارد والفرص إلى مستحقيها، مما يكرس التمييز وينتهك الحقوق الأساسية للمواطنات والمواطنين.
♦ وعليه فإن المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، يعلن ما يلي:
1- يدعو النيابة العامة إلى القيام بمهامها، وفق الاختصاصات المخولة لها في القوانين الجاري بها العمل، من حيث إجراء الأبحاث والتحقيقات وإخبار الرأي العام بنتائجها. كما يدعو كل الهيئات الدستورية ذات الصلة إلى النهوض بواجبها وبمسؤوليتها في محاربة هذه الآفة الخطيرة؛
2- يؤكد على أن مكافحة الفساد شأن مجتمعي، لا يمكن القضاء عليه إلا بمشاركة الجميع في فضح المتورطين/ات فيه مهما كان موقعهم ومنصبهم، ويدعو إلى التراجع عن القوانين التي تشرعنه، كما جاء في قانون المسطرة الجنائية في فصلها الثالث الذي قيد الإبلاغ عن الفساد في مناورة لحماية المفسدين من المتابعات القضائية؛
3- يطالب بوضع تشريعات تضمن حماية كاملة وفعالة للمبلغين عن الفساد، وتوفر لهم الدعم القانوني والنفسي اللازمين، ليتمكنوا من القيام بدورهم في فضح الممارسات الفاسدة دون خوف أو تهديد؛
4- يطالب باستقلالية هيئات مكافحة الفساد والهيئات الرقابية، وتعزيز حياديتها، وتطوير قدراتها لمراقبة المالية العامة، وضمان مساءلة المسؤولين، ومعاقبة كل من يثبت تورطه في قضايا الفساد، مع استرداد الأموال العامة المنهوبة؛
5- يعرب عن موقفه الداعي إلى أن الخطابات، التي تعتمد التستر على الحقائق وتروج للأكاذيب، وتستبعد الشفافية والوضوح في التعاطي مع القضايا الوطنية، لن تساهم إلا في المزيد من الأزمة وتعطيل التنمية وهدر الطاقات والثروات.
6- يجدد طلبه القاضي بإطلاق سراح جميع معتلقي الرأي والتعبير في مقدمتهم معتقلي حراك الريف.
عن المكتب المركزي
بتاريخ 09 دجنبر 2025