تخلد الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إلى جانب الحركة الحقوقية والديمقراطية، اليوم الوطني للمرأة المناضلة الذي يصادف الذكرى الثامنة والأربعين لاستشهاد المناضلة سعيدة المنبهي يوم 11 دجنبر 1977؛ وهو إحياء يحمل كل معاني الوفاء لروح شهيدة الحركة التقدمية وشهيدة الشعب المغربي. فقد اعتقلت سعيدة المنبهي في 16 يناير 1976، خلال حملة واسعة استهدفت مناضلات ومناضلي اليسار والقوى التقدمية، أعقبتها محاكمات صورية أصدرت أحكاماقاسية في حق المعتقلات والمعتقلين؛ حيث حكم عليها في يناير 1977 بخمس سنوات سجناً نافذاً بتهمة “المس بأمن الدولة”، أضيفت لها ولرفاقها سنتان بتهمة “المس بهيبة القضاء”.
وفي السجن، خاضت سعيدة إضرابا مفتوحا عن الطعام مع رفاقها المعتقلين السياسيين، دفاعا عن حقهم في الاعتراف بصفة معتقلين سياسيين وتحسين ظروف اعتقالهم. واستمرت في إضرابها بصمود أسطوري حتى استشهادها بعد 35 يوما، في 11 دجنبر 1977، وهي لم تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها. هكذا أصبحت رمزا للمرأة المناضلة، وملهمة لأجيال من المغربيات والنساء عبر العالم الساعيات للتحرر من كل أشكال الاستغلال والاضطهاد.
إن تخليد ذكرى الشهيدة سعيدة المنبهي، واعتماد يوم 11 دجنبر يوما وطنيا للمرأة المناضلة، يشكل لحظة نضالية لاستحضار قيم الكفاح والمبدئية والصمود التي جسدتها، ولاستلهام مسارها الذي جمع بين النضال السياسي والنقابي والنسائي والإبداعي، وربط بين قضايا التحرر النسائي وقضايا التحرر الوطني وانعتاق الشعوب، إذ كانت الشهيدة، أيضا، شديدة الالتزام بالقضية الفلسطينية ومناهضة للصهيونية والإمبريالية.
يأتي تخليد هذا اليوم في سياق تتفاقم فيه الأوضاع المتردية للنساء المغربيات بشكل غير مسبوق؛ حيث تتسع رقعة الانتهاكات وتمتد إلى مختلف مناحي الحياة، دافعة النساء إلى واجهة النضال والاحتجاج في شوارع المدن الكبرى، كما في القرى والمناطق المهمشة. ففي مواجهة سياسات التفقير والتهميش تخوض النساء معارك يومية، من أجل الأرض، والماء، والصحة، والتنمية وفك العزلة، رغم ما يتعرضن له من قمع وتضييق واعتقالات لا تستثني أحدا.
كما يحل هذا اليوم في سنة شهدت تصاعدا خطيرا للاعتقالات التي تستهدف النساء، وعلى رأسهن شابات جيل زيد، الجيل الذي أثبت بجرأة وصلابة أن المغرب لا يزال ينجب نساء لا يرضخن للقهر، ويكسرن الحصار المفروض على الكلمة الحرة. لقد واجهن آلة القمع بصدور عارية، وفضحن ممارسات الحط من الكرامة التي طالت المعتقلات، مؤكدات أن صوت المرأة لن يخمد وأن حضورها النضالي أقوى من أية محاولة لإسكاتها.
ولا تزال نساء يتابعن أو يحاكمن بسبب آرائهن ومواقفهن المنتقدة، كما هو الحال بالنسبة للمناضلة سعيدة العلمي، وعائلة الشبلي المطالبة بإجلاء الحقيقة كاملة في مقتل ابنها ياسين، وابتسام الأشقر، وشابات جيل زيد في محاكمات تكشف بوضوح إصرار الدولة على تجريم الرأي وزجر الصوت النسائي الحر.
كما نستحضر في هذا اليوم الدور التاريخي والرائد للنساء المناضلات من أمهات وزوجات وعائلات المختطفين المعتقلين السياسيين، اللواتي لم يقتصر نضالهن على مساندة ذويهن، بل امتد إلى فضح الاعتقال السياسي والتعذيب، مشكلات حركة نضالية موازية دعمت صمود المعتقلين داخل السجون وعكسته للرأي العام خارجه. ولذلك يمثل اليوم الوطني للمرأة المناضلة مناسبة لتكريم كل هؤلاء النساء، في مختلف مواقع الفعل النقابي، والسياسي والحقوقي، والتأكيد على دورهن الجوهري في أي مشروع تغييري ديمقراطي.
وبناء على ما سبق، فإن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وهي تتوجه بتحية إجلال لروح الشهيدة سعيدة المنبهي ولكل شهيدات وشهداء الشعب المغربي، تعلن ما يلي:
ـــ تذكيرها للدولة المغربية بمسؤوليتها عن استشهاد المناضلة سعيدة المنبهي، وعن استشهاد عدد من المناضلين والمناضلات خلال الإضرابات عن الطعام،وأثناء مختلف المعارك النضالية التي خضنها وخاضوها دفاعا عن الحرية والكرامة؛
ـــ مطالبتها بالإفراج الفوري عن جميع معتقلات الرأي وشابات جيل زد، وإلغاء كل المتابعات والأحكام الجائرة الصادرة في حقهن، وتمكينهن من كافة حقوقهن دون قيد أو شرط؛
ـــ تجديد تضامنها المبدئي واللامشروط مع ضحايا زلزال الحوز، وخاصة النساءاللواتي حرمن ظلما من حقهن في السكن بدواعٍ تمييزية صرفة، وتطالب الدولة بتحمل مسؤولياتها كاملة في إعادة إعمار المناطق المنكوبة بما يضمن العيش الكريم لكافة الأسر المتضررة دون أي استثناء؛
ـــ وقوفها إلى جانب حراك فكيك، واعتزازها بالدور الرائد للنساء فيه، وابداعهن لأساليب متقدمة في النضال ضد تسليع الماء وتفويته للخواص، ومن أجل الحفاظ على التدبير الجماعي والايكولوجي للماء الصالح للشرب؛
ـــ تأكيدها على تضامنها مع عاملات وعمال شركة سيكوميك بمكناس، وتدعو السلطات المعنية للاستجابة الفورية لمطالبهم المشروعة ووضع حد لهذه المأساة الإنسانية التي دخلت عامها الخامس؛
ـــ تحيتهاللنساء المناضلات في كل المواقع، وتثمينها لكفاح جميع المغربيات من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والمساواة والتنمية والعيش الكريم؛
ـــ اشادتها بالصمود الأسطوري لأمهات وزوجات وأخوات معتقلي حراك الريف وباقي الحركات الاجتماعية،وتعبر عن دعمها اللامشروط لهن، وتدين كل أشكال التضييق التي يتعرضن لها، وتطالب بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي بالمغرب؛
ـــ التزامها الثابت بالانخراط الفاعل في كل المبادرات النضالية الوحدوية، الهادفة إلى حماية حقوق النساء وتعزيزها والنهوض بها؛
ـــ تضامنها الكامل مع نساء فلسطين والسودان وفنزويلا، ومع كل نساء العالم ضحايا الاضطهاد والاستعمار والصهيونية والإمبريالية، وعلى رأسها الإمبريالية الأمريكية المعادية لحقوق الشعوب وحقوق الإنسان.
المكتب المركزي 11 دجنبر