إعلان فرع الجمعية بالعرائش يندد بالخروقات والإختلاسات التي طالت برنامج مدن بدون صفيح

بيان حول دخول قانون المسطرة الجنائية 03.23 حيز التنفيذ وتداعياته على الحقوق والحريات

04-01-2026 عام غير محددة

 

يتابع المكتب المركزي، للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في إطار اهتمامه بالتشريعات والقوانين ذات الصلة بحقوق وحريات الأفراد، كما دأب على ذلك في تقاريره السنوية وبلاغاته وتصريحاته الدائمة، بقلق بالغ وانشغال عميق، دخول قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23 حيز التنفيذ؛ هذا القانون الذي يأتي في سياق وطني دقيق يتسم بتصاعد النقاش العمومي حول واقع الحقوق والحريات، ومسؤولية المؤسسات في تعزيز الثقة في العدالة، والحاجة الملحة إلى إرساء عدالة جنائية أكثر إنصافا وشفافية، منسجمة مع الدستور  والالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان.

 

وإذ يسجل المكتب المركزي أن القانون الجديد تضمن بعض المستجدات الإيجابية، خاصة على مستوى تحديث بعض الآليات الإجرائية والرقمنة، فإن القراءة الحقوقية النقدية المتأنية والمتفحصة لهذا النص تكشف عن تراجعات مقلقة وخطيرة، وفجوات بنيوية تمس جوهر ضمانات المحاكمة العادلة، وتكرس توسيعا وهيمنة غير مبرر للسلطة التقديرية للنيابة العامة، خصوصا فيما يتعلق بالاعتقال الاحتياطي، مما يشكل مساسا صريحا بقرينة البراءة، وبالتوازن المفترض بين أطراف الدعوى العمومية.

 

وانطلاقا من مرجعيتها الحقوقية، ومن موقعها كمتتبع لورش ما سمي بإصلاح منظومة العدالة، وما رافقه من سن وتعديل متعجل للعديد من مشاريع القوانين، وما راكمته منذ عقود من خلال متابعتها لإنفاذ وتفعيل هاته القوانين، بناء على مقاربة نقدية واقتراحية في مجال إصلاح العدالة، تؤكد الجمعية أن تقييم قانون المسطرة الجنائية 03.23 لا يمكن أن يتم بمعزل عن المعايير الدولية ذات الصلة، ولا بمنأى عن استحضار التجربة القضائية المغربية خلال العقدين الأخيرين، وما راكمته من اختلالات بنيوية وانتقادات حقوقية موثقة في تقارير وطنية ودولية، وهي ما يود، المكتب المركزي، لحين إصدار مذكرته بعد الورشة الدراسية التي سينظمها بالموضوع، اجمال أهمها، فيما يلي:

 

• إن الاعتقال الاحتياطي ما يزال يشكل أحد أخطر مظاهر المساس بالحرية الفردية في المنظومة الجنائية المغربية. فعلى خلاف الخطاب الرسمي الذي يعتبره إجراءً استثنائيًا، تؤكد المعطيات الرسمية أن نسبته تتجاوز 40% من مجموع الساكنة السجنية، وهو ما يتعارض مع التوجهات والمعايير الدولية.

وإنه بينما كان ينتظر من القانون الجديد معالجة هذا الخلل البنيوي، فإنه أبقى على مبررات فضفاضة للاعتقال الاحتياطي؛ من قبيل “الأمن العام” و“حسن سير العدالة”، دون تحديد دقيق أو ضوابط صارمة، كما  انه برغم من وضعه سقف زمني محدد  للاعتقال الاحتياطي بمختلف مراحله،الا انه  فتح المجال أمام تمديده بطلب من النيابة العامة دون رقابة قضائية فعالة وحقيقية.

ويسمح هذا الوضع، عمليا، باستمرار اعتقال أشخاص لمدد طويلة قد تصل إلى سنة بما في ذلك في قضايا لا تتسم بالخطورة الإجرامية، كعدد من الملفات ذات الطابع الاجتماعي أو المالي، وهو ما يفرغ مبدأ الاستثناء من محتواه، ويحول الاعتقال الاحتياطي إلى عقوبة مقنعة.


• التوسع الملحوظ في صلاحيات النيابة العامة، خاصة فيما يتعلق بتمديد الحراسة النظرية، ومراقبة الاتصالات، والتفتيش خارج الأوقات القانونية، وتوجيه البحث في مرحلة ما قبل المحاكمة، دون إقرار آليات رقابة قضائية فعالة ومسبقة. والحال أن المعايير الدولية واضحة في هذا المجال، إذ تعتبر النيابة العامة جهة ادعاء لا جهة فصل، الأمر الذي يستلزم تقييد صلاحياتها بضمانات قضائية صارمة تحمي الحقوق والحريات. غير أن القانون 03.23 لم يعزز بما فيه الكفاية دور قاضي التحقيق، ولم يمنح الدفاع حق الطعن الفوري في عدد من الإجراءات الخطيرة التي تمس الحرية والخصوصية.


• تقييد القانون الصارم للحق في الانتصاف ومحاصرة أدوار المجتمع المدني في مكافحة الفساد؛ حيث يبرز التعديل المتعلق بالمادة 3 كتراجع حقوقي جسيم يهدف إلى غل يد الجمعيات الحقوقية ومنعها من تنصيب نفسها طرفا مدنيا في قضايا حماية المال العام، مما يكرس سياسة الإفلات من العقاب ويجعل تحريك الدعوى العمومية في جرائم الفساد حكرا على جهات رسمية بعينها. كما أن المادة 7، بتعقيداتها الجديدة، تضع عراقيل تعجيزية أمام الضحايا والجمعيات لممارسة حق التقاضي، وهو ما يتنافى مع المبدأ الدستوري في الولوج المستنير للعدالة. إن هذه المقتضيات، مضافة إلى توسيع مسطرة الصلح في الجرائم المالية مقابل مبالغ مادية، تؤدي عمليا إلى شرعنة "بيع الصكوك" وإضعاف الردع القانوني، مما يجعل مكافحة الفساد رهينة الحسابات التقديرية بدل القواعد القانونية الآمرة.


• وفي القضايا ذات الحساسية السياسية أو الاجتماعية، أو ما يعرف بملفات الاعتقال السياسي أو محاكمات الرأي، يصبح قرار تمديد الحراسة النظرية خاضعا عمليا لتقدير النيابة العامة وحدها، في غياب رقابة قضائية آنية، مما يفسح المجال لانتهاكات محتملة تمس الحقوق الأساسية للأشخاص.


• إن إدراج آليات وتقنيات جديدة مثل الإشعار الإلكتروني وتتبع الشكايات يمثل خطوة إيجابية، غير أنها تبقى غير كافية للإجابة عن الإشكال الجوهري المتعلق بحماية الضحايا، خاصة الفئات الهشة.


• عدم إقرار صندوق مستقل لتعويض الضحايا، كما هو معمول به في عدد من الدول، لضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، والاتجار بالبشر، والاعتداءات الجسدية، والجرائم المالية الكبرى. إذ لم ينص القانون على إحداث هذا الصندوق، ولا على موارده أو شروط الاستفادة منه، مما يبقي الضحايا، خصوصا في قضايا العنف الأسري، في مواجهة مساطر معقدة ومكلفة لا تراعي أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.


• رغم التنصيص على بعض الضمانات المرتبطة بالفحص الطبي، يسجل المكتب المركزي بأسف أن المشرع لم ينص صراحة على إلزامية إخضاع كل شخص يشتبه في تعرضه للتعذيب أو سوء المعاملة لفحص طبي محايد ومستقل، كما لم يقر إلزامية التسجيل السمعي البصري لجميع مراحل البحث والاستماع.

 

ويؤكد المكتب المركزي أن غياب هذه الضمانات يشكل ثغرة خطيرة، خاصة في ظل استمرار اعتماد "الاعتراف" كوسيلة إثبات رئيسية في عدد من القضايا، وفي ظل اعتبار الوثوق بمضمن محاضر الضابطة القضائية هو الأصل قانونا في الجنح، مما يجعل إنكار المتهم للتهم الموجهة إليه وادعاءه التعرض للضغط أو الإكراه أمام المحكمة مجرد قول مقابل قول، ويقوض فعليا مبدأ المحاكمة العادلة.


كما يلفت الانتباه إلى أن التعديل الوارد بالمسطرة بشأن تمكين الحق في الدفاع منذ اللحظة الأولى للاعتقال، وإن جاء في ظاهره تفعيلا لأحد الركائز الأساسية للمحاكمة العادلة. غير أن القانون 03.23 لم يفرض حضور المحامي خلال الاستماع الأول، ولم يلزم بتسليم نسخة فورية من المحاضر لهيئة الدفاع، كما قيد حق الاطلاع على الملف بمساطر معقدة.

 

وفي قضايا الأحداث أو القضايا ذات الطابع الأخلاقي، تسجل الجمعية أن الدفاع يحرم في كثير من الأحيان من الاطلاع المبكر على عناصر الإثبات، مما يحول ممارسة الدفاع إلى رد فعل متأخر بدل عمل حقوقي استباقي.


كما أن المكتب المركزي وإن استحسن مبدأ رقمنة المسطرة الجنائية، باعتبارها أداة لتسريع الإجراءات وتعزيز الشفافية، لكنه ينبه إلى غياب مقتضيات واضحة تتعلق بحماية المعطيات الشخصية، ومدة الاحتفاظ بالبيانات، وحق الأطراف في الولوج إلى ملفاتهم الإلكترونية، وضمان أمن الأنظمة المعلوماتية.


وفي غياب هذه الضمانات، يخشى المكتب المركزي أن تتحول الرقمنة إلى خطر يهدد الحق في الخصوصية بدل أن تكون رافعة لتحديث العدالة.


ويسجل المكتب المركزي بارتياب بالغ توسيع مسطرة الصلح في الجرائم المالية دون توفير ضمانات كافية للشفافية والمساءلة؛ فإمكانية إغلاق ملفات مقابل أداء مبالغ مالية أو “إرجاع الوضع” دون محاكمة علنية، من شأنه إضعاف الردع وتقويض مبدأ المساواة أمام القانون، وربط مكافحة الفساد بالسلطة التقديرية بدل القواعد القانونية الواضحة. 

 

وفيما يتعلق باحترام المغرب لالتزاماته الدولية ذات الصلة، فيخلص المكتب المركزي إلى أن قانون المسطرة الجنائية 03.23 يعكس التزاما جزئيا بالمعايير الدولية، ويقدم نوايا إصلاحية ظاهرة وعامة، لكنه يفتقر إلى ارادة حقيقة لتفعيلها، ومنها التفاصيل الإجرائية الدقيقة وآليات التنفيذ والرقابة على السلطة التقديرية، وهي عناصر جوهرية لضمان حماية فعلية للحقوق والحريات.

 

ولكل ما ذكر فإن المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وهو يسجل أسفه العميق للتراجعات الحقوقية التي تضمنها قانون المسطرة الجنائية 03.23، على علاته، خاصة فيما يتعلق بتعزيز دور النيابة العامة وتوسيع سلطتها في الاعتقال الاحتياطي، يؤكد أن هذا القانون لا يرقى إلى مستوى التحول الحقوقي العميق الذي ينتظره المجتمع المغربي.

 

وانسجاما مع مواقفه الثابتة، ومع ما سبق أن عبر عنه بمختلف المناسبات، فإن المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان يطالب بـ:


ـــ مراجعة المقتضيات المتعلقة بالاعتقال الاحتياطي، وتحديد سقوف زمنية صارمة له، وربطه برقابة قضائية فعالة؛


ـــ تقييد سلطات النيابة العامة بضمانات قضائية حقيقية، وتعزيز دور القاضي المستقل؛


ـــ إقرار آليات فعالة لإثبات التعذيب وسوء المعاملة، وعلى رأسها التسجيل السمعي البصري الإجباري؛


ـــ تمكين المعتقل من الحق في الدفاع وجوبا منذ اللحظة الأولى للاعتقال دون قيود؛


ـــ إحداث صندوق مستقل لتعويض الضحايا؛


ـــ ضمان الشفافية والمساءلة في جرائم المال العام.

 

إن إصلاح العدالة الجنائية ليس مسألة تقنية أو إجرائية فحسب، ولا واجهة تسوق للخارج للتبجح باحترام حقوق الإنسان والوفاء بالتزام الدولة بإصلاح منظومة العدالة، وخصوصا العدالة الجنائية، لما لها من مساس وثيق بحريات الأفراد وحقوقهم، بل هو نتاج اختيار ديمقراطي صميم، وامتحان حقيقي لمدى احترام تلك المنظومة لهذه الحقوق والحريات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

 

عن المكتب المركزي:
الرباط، يوم 04 يناير 2026